• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر10:40 م
بحث متقدم

طوابير المعرض .. بارقة أمل !

مقالات

أزعم أن هنالك (مخدرًا خطيرًا)، نستمر فى تعاطيه على المستوى الجماعى، ويتمثل فى ما يمكن أسميه سياسة تملق (الفرد المصرى) على طول الخط، والتمجد بمآثره ومنجزاته وماضيه، بصورة توشك أن تمنحه عصمة الأنبياء وكيل المديح بلا توقف لصفاته وخصائصه الإيجابية فقط، دون التطرق لعيوب جذرية في شخصيته _ بتأثير الموروث الحضارى والتاريخى _ قادت، فى بعض الأحيان، إلى كوارث محققة، بترسيخ الاستبداد السياسي البشع غير المسبوق وغياب أبسط الحقوق الاقتصادية، بل غياب "خطاب العدالة الاجتماعية" بالكامل وتوريط البسطاء بصورة مكشوفة، فى صراع رهيب مذل مع (لقمة الخبز)؛ جرت العادة بأن نضع له لافتة ديكورية محببة ملطفة، أعنى عبارة: "شعب صبور" وكأن الصبر _ فى المفهوم الذى جرى تسويقه _ قبول بالدنية وانقياد للإفقار والتجويع العمدى والقهر السياسى الممنهج!
كسر الراحل الرائد د/ "جمال حمدان" _ المثقف الحقيقى فيما أرى بعيدًا عن أقزام المشهد الثقافي وببغاواته الضحلة! _ هذا التوجه المسرف في كيل المديح، حين واجه المصريين بعيوبهم الخطيرة في مقدمة الجزء الأول من مجلده القيم: "شخصية مصر"، حيث انتقد _ بنقمة وغضب _ ما لابس الشخصية المصرية، عبر عقود وقرون تاريخية ممتدة، من استكانة غير طبيعية لظلم غير طبيعي _ بدوره _ وصل إلى حدود تبرير السحل بالدافع الوطنى، وتسويغ القتل العلنى (دون قانون أحيانًا) بالإخلاص القومى والعروبى، وإفقار الشعب وهضم حقوقه الاقتصادية بكاملها بذريعة (حماية الدولة) دون أن يفهمنا أحد أو يجيبنا: هل يمكن (حماية الدولة) دون (حماية أناسها)؟! وهل هنالك أي معنى لـ"دولة قائمة" فى الجوهر على أشلاء أناسها، وكأن فكرة الدولة كيان متعالٍ عن الشعب ذاته أو لا صلة له بهذه الملايين المتوجعة، قهرًا أو فقرًا! وهو ما دفع "جمال حمدان إلى الصراخ في مقدمة موسوعته حين قال: "نحن معجبون بأنفسنا أكثر مما ينبغي.." (شخصية مصر ج 1 / ص26)، ثم عاود التأكيد بأن طريقة المصريين فى التعامل مع حكامهم _ بطريقة العصمة والتقديس وتبرير القهر _ قد سمحت للحكام منذ العصر الفرعونى حتى العصر الحديث، بفضاء واسع من الانتفاخ والتمدد، ضغط على رئة الناس بما يتجاوز الحدود الطبيعية، وسمح بأن يطلق المؤرخون على مصر، منذ أقدم العصور: "أرض الطغيان" land of tyranny (شخصية مصر / ج 1 / ص 34) وبسبب من هذه المصارحة (الجارحة من وجهة نظر البعض!) عاش "جمال حمدان" معزولًا، ومات في شقته وحيدًا بما يشبه الكمد، ونجح أقزام الحركة الثقافية في تكوين حسابات مليونية في المصارف، بسياسة الإمساك بالصاجات وحرق البخور!
أعترف بعيوب الشعب المصرى الجذرية، التى سمحت للاستبداد السياسى والقهر الطبقى، بهذا التمدد السرطانى العجيب، ولست من أنصار (الطرمخة) على هذه العيوب النافذة فى العظام، وإنما أنحاز دومًا لسياسة المكاشفة الكاملة وصولًا للتقويم المفترض وتصحيح المسار، لكن هذا الاعتراف (المؤلم!) لا يحول بيني وبين تسليط الأضواء على بعض الإيجابيات المتنامية (فى الشخصية المصرية)، التى لم تنجح موجات المسخ والقهر والإفقار المنظم فى محوها، أو تبديدها أو إهالة التراب عليها، وأبرز هذه الإيجابيات الإقبال الضخم على سوق الكتاب فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الأحدث، رغم ضعف القدرة الشرائية والانهيار الاقتصادى الواضح _ بمؤشراته ومعالمه _ والارتفاع غير المسبوق فى سقوف الإحباط العام ونسبه بتأثير الانهيار الاقتصادي وانسداد الأفق السياسى!
 كنت فى بعض الأيام أقف ما يقرب من ثلث الساعة أو نصفها فى طابور ممتد أمام أبواب المعرض لأتمكن من الدخول، وفى الداخل رأيت أناسًا من كل الأعمار يحملون كتبًا مكدسة فى السياسة والفن والاقتصاد والأديان والتكنولوجيا والعلوم، وهو مشهد واعٍ رفيع شديد الرقى، لا يصله أى رابط أو صلة بـ(العك السياسى والاقتصادي) فى الخارج (أى ما يدور خارج أسوار المعرض)، ومعنى أن يعاود المصريون قراءة "تحول السلطة" لـ"ألفين توفلر"، أو "خريف البطريك" لـ"جارثيا ماركيز" أو "أعراس" "محمود درويش بوطنياتها اللاهبة وغنائياتها الساخنة، فضلًا عن مؤلفات "المراغى" و"محمد أبو زهرة" و"محمود شلتوت"، أن الشعب المصرى، بسبيله لاتخاذ قرارات جذرية تتعلق بـ"نخبته الثقافية" الخائنة، وتتعلق بقرار جماعى صامت/ مستقل فيما يبدو، بعيدًا عن أجهزة السلطة وإعلامها المتهوس (التعبوى)، ونخبتها العجوز التى تحتسى الشاي بتبلد فى أروقة (المجلس الأعلى للثقافة) (بقاعاته الخاوية أو الفاشلة بوضوح!)، ومضمون هذا القرار يتمثل فى طرد (النخبة الثقافية) التقليدية، بدورها الكارثى فى تلبيس الوطن المصرى فى الحائط، من المشهد العام، ويبقى الضلع الثاني من القرار هو الأهم، أعنى أن يصنع الشعب ثقافته ويشكلها بنفسه بعيدًا عن الوصاية، وسيقوده هذا الطريق حتمًا إلى مسارين لا ثالث لهما: (الحريات) و(العدالة الاجتماعية) دون خديعة من سلطات أو جماعات أو قوى حتى وإن تم ذلك بشكل تدريجى متراكم، ويرتبط بذلك بالتأكيد صناعة "نخبة جديدة" مسئولة تستجيب لتطلعات الحرية ولقمة الخبز، كما تؤكد ذلك، بغير لبس أو ارتباك فى الفهم، طوابير المعرض!
بوضوح لم تعد تجدى مع الشعب المصرى أقراص الترامادول التى يصبها "إعلاميون" فى مسارات الوعى كل يوم  بهدف تخريبه، ولم تعد تجدى أكروبات "عمرو أديب" فى الأستوديو وهو يخلط الرؤى والألوان والمواقف والسياسات بتدليس مكشوف، فى مسخ معلن ومستتر للوعى الحقيقى بالأزمة، ولم تعد صرخات (حارقي البخور) فى برامج التوك شو، مجدية فى تضليل المسارات وإثارة الضباب على المشاهد، لأن الكتاب الذى يقرؤه المصريون _ دون وصاية _ كفيل بتحريك الوجهة باتجاه الفهم الحقيقى الجاد، الذى لا ينقاد للزامرين والمطبلين، الذين انتسبوا زورًا لرسالة الإعلام، واندسوا بتطفل _ دون استئذان _  فى قافلة المهنة!
ضحك المصريون، حتى استلقوا على ظهورهم من الضحك من مقالة "يوسف القعيد" الأحدث التى حاول من خلالها أن يتملق، بصورة مفضوحة خطابات الرئاسة، ويتغزل بشكل غير مسبوق، كل ما يصدر عن الحاكم، معتبرًا كل عبارة تصدر، من شأنها أن تؤسس لـ"بلاغة من نوع جديد"، بتعبيره، وهى وجهة فى النفاق (موروثة من فضاء الستينيات!) لا أظنها سترضى الرئاسة ذاتها أو تخدم سياساتها أو تصلح لإعادة التدوير للمصريين، لكن هذا المسلك _ من قبل النخبة الثقافية التقليدية _ يبرر للشعب المصري ما رأيته في فعالية المعرض الأحدث، من قرار مختمر حاسم بطرد هذه النخبة إلى غير رجعة، بعد أن منحها الشعب عشرات الفرص لتصحيح الوجهة والمسار! المشهد الحضارى الذى رأيته فى معرض الكتاب، كان _ فيما أرى _ البشير الصحيح بإنهاء ما أسماه "جرامشى": "المثقف/ موظف الدولة التكنوقراطى"  الذي لا هم له إلا تسويق وجهة نظر السلطة، ومن ثم إنهاء ما عرف باسم "الهيمنة أو تدجين المثقف وترويضه" hegemonio، على أصحاب المعاشات داخل مدينة الإنتاج الإعلامى ونادى القصة والأتيليه والمجلس الأعلى للثقافة، أن يتهيأوا لعزلة طويلة / سرمدية، بعد أن اختار الشعب المصري _ في حدود ما رأيت في لوحة معرض الكتاب المعبرة _ قراره بصناعة: "نخبة جديدة" تلائم حريته وتطلعاته الحضارية وبحثه عن العدالة الاجتماعية، ولا عزاء لنخبة (الدبكة) وحارقي البخور!

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:01 ص
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى