• الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر04:33 م
بحث متقدم

إلى الروح المحلق بالآيات في سماء القلوب

مقالات

إلى روح شيخنا الراحل العظيم الشيخ / عبد العظيم عبد الرحمن العفيفي
 نعم: الشيخ فقدناه بحكمته وحلمه، ورجاحة عقله ونفسيته المسالمة إلى أقصى مدى، وروحه المتسامحة والمتصالحة معا. 
وبفقده تكون خسارة المجتمع المسلم في القارة الأسترالية فادحة وجسيمة. وهذا في حد ذاته حزن كبير. 
أما الحزن الأكبر عندما تؤول مسؤولية الأمر إليك وأنت تهرب منها. 
فتطاردك بأقدار لا تملك تجاهها إلا الخضوع والتسليم، ومن ثم فأمام تلك الأقدار العليا لا تملك غير الفرار من قدر إلى إلي قدر، من قدر الاعتذار عنها بكل الوسائل فلا تنجح، إلى قدر القبول بها مع الرضا والتسليم لله بما قضى وقدر. 
والتسليم لله مصحوب بالرجاء بأن يكون الله معنا وفي عوننا، والمرء حين يدرك حقيقة ذاته يعلم يقينا بأنه من غير معونة سيده ومولاه لا شيء،  لذلك صدق الشاعر حين قال:
إذا لم يكن عون من الله للفتى .......فأول ما يجني عليه اجتهاده
عدنا ليلا من مدينة فيكتوريا بعد وداع المسافر إلى رحمة ربه الشيخ الجليل عبد العظيم العفيفي، وبعد أن انتهينا في اليوم التالي من استقبال جموع المواسين في وفاة شيخنا الشيخ عبد العظيم العفيفي المفتي العام للقارة الأسترالية، شعرت أنني في حلم يشبه الكابوس. ولم يكن من سبيل للخروج من هذا الإحساس المحيط والمحبط إلا القلم، تبثه شكواك وتسر إليه بفكرك ونجواك، فيخطها كلمات مخاطبا روح الشيخ وهي في عالمها بأدب وعلى استحياء قائلا: 
سيدي أيها الشيخ العظيم: سلام على روحك في الملأ الأعلى، فقد تركت في الحياة خير ميراث يترك، تركت علما ينتفع به مصحوبا بقرآن مسجل يدعو لك بالرحمة والمغفرة كل من يستمع إلى صوتك الشجي وأنت ترتل كلماته، ويتوجه كل من استمع إليك إلى الله بالثناء والشكر لأنه اختارك قائما على حراسة دينه ومؤسسا لمجلس علمائه وأئمته. 
 وينعيك إلى الأمة عامة، وإلى المسلمين في استراليا خاصة كل أهل العلم فيها، وهم الذين اقتربوا منك ففاضت حكمتك عليهم، ونضح علمك على عقولهم وقلوبهم فرأوا فيك مثالا للتواضع ورمزا للعزة والترفع، فاكتشفوا على يديك الحقيقة التي كانت مخبأة عن الحياة والوجود والكون من خلال  أخلاقك، وصبرك في شدة المرض ،ورضاك بقدر الله فيك فضلا عن إصرارك على دروسك ومواعظك وحلقات علمك التي كانت تقام.   
وينعيك زملاؤك الكبار رفيقا لدربهم العلمي ومرجعا لهم وسندا لدعوتهم. 
 وينعيك تلاميذك الذين عرفوا طريقهم على يديك، وأرشدتهم كلماتك ليكونوا روادا في الحياة وقادة في ميادينها المختلفة. 
وينعيك دعاة استراليا وهم يتذكرون كلماتك ويستحضرون رفقتك المباركة في حلك وترحالك مع كل نبضة دعوية تتدفق حبا لله، وترشيدا لخلقه، فتنبه الغافل، وتعلم الجاهل، وتهدي حيارى السالكين في دروب الحقيقة، تعدل بوصلة التوجه فيهم لتكون في المحل الأعلى خالصة لرب العالمين. 
وينعيك العابدون مع كل هزيع ليل يأتي ويمضي، يتهجد فيه الناس لربهم وهم يتمثلون قراءتك المنضبطة فيستشعرون معها جمال وكمال قدس الأقداس "قرآنهم المجيد" ويرون فيه رأي العين جلال الوحدانية ومهابتها ،ويشاهدون صفاء تجلياتها في كل شيء. 
في هدوء الليل وسكونه، 
وفي ضوء الفجر حين يمتزج بتسبيح المصلين فيزداد وهجا وألقا،
 وفي قطرات الندى تتنزل بردا على أيكة خضراء فتجدد ربيعها وتخضِّر أوراقها وتنمى ثمرات البركة في فروعها لتجلى للناس معنى "إن الله فالق الحب والنوى"
وفي أول طلعة لشمس النهار تحمل آيات الله وإبداعه، وتقدير العزة والعلم في الظلمة والنور، وفي الضوء والسنا، وتجسد للناس معنى " فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا. 
ويا أبا "زهراء" أيها المسافر المطمئن إلى رحمة سيده ومولاه، ميراثك أيها العالم خير ميراث يعود عليك بخير زاد، حين يتذكرك الناس وهم يستمعون بقلوبهم وعقولهم إلى تلاوتك الشجية، فيشعرون أنهم بصحبة واحد من العمالقة الكبار الذين خدموا دين الله بالكلمة الصادقة والجملة الطاهرة والحرف المقدس، وبصدق التوجه وسلامة القصد وشرف الغاية، فكنت مثالا كبيرا للعالم في عز عليائه وتواضعه، يقاوم ولا يساوم، ويتعفف ولا يترخص، ويسمو فوق الحاجة ولو كان صفر اليدين.   
ميراثك أيها الراحل عنا إلي حيث الفرح خير زاد لك مع طول الطريق، يقيك برحمة الله ودعاء محبيك عثراته وكآبة منظره، ويبعدك بفضل الله ثم بسر تربيتك لأولاد المسلمين سوء المنقلب فيه،
 فيا بشراك يا أبا "الزهراء" بما تحمله في زادك من ثقة بوعد الله الذي لا يتخلف أبدا حين يجزي الصادقين بصدقهم. 
ويا بشراك يا أبا "زهراء" بدعاء كل من عرفوك سيدا عظيما وعبدا لله العظيم سموا وخلقا وعفة، وغرفوا من وعائك العلمي فتلهج ألسنتهم بالدعاء لك بظهر الغيب قائلين، رحم الله والديك، رحم الله من رباك وأدبك، وصان عهد الرعاية " في كلكم راع"
ويا أهل الشيخ وطلاب الشيخ ومريديه، أشعر بما في داخلكم من شعور الفقد الأليم، وما يحيط بكم من حزن يملأ الُأفق أيها الأحبة، غير أن ألق الطاعة وأدب التربية في الأهل والأبناء يجعلنا أكثر طمعا في رحمة الله. 
نعم نشاركم مرارة الفقد وحزن القلب، ونشعر معكم بغربة الدنيا وغرابة ما يحدث فيها، وبرغم أنه يتكرر كل يوم إلا أن أشخاصا بذواتهم يمثلون مركز الدائرة ورمانة الميزان لهم في حياة قلوبنا تأثير الروح في الحياة ولهم في دنيانا مكانة ومكانا لا نتخيل أبدا أن يخلو منهم أو أن يغيبوا عنه. 
ولستم أيها الأحبة من يحتاج للتذكير بما يقال في مناسبة الرحيل، فذلك محفوظ في ذاكرتكم ومسطور في عقولكم ووجدانكم.
وإذا كان خبر الرحيل يسيطر على كل الذات عقلا ووجدانا، فإن المناسبة لاستدعاء الذاكرة لهذا المحفوظ تظل قائمة ولو من طرف خارجي ليجسد بها العقل معنى الرحيل في مصيبة الموت، وليواسي بها جراح المصاب بالفقد حتى ولو كان من الراسخين في العلم وأصحاب الأقدام الثابتة في الملمات، وبخاصة إذا كان الراحل يشكل في العمل الإسلامي داخل استراليا وخارجها أصلا ممدود الظلال والأثر في الحياة بعلم كبير وكد جميل ومساحات مملوءة بالكفاح الراقي. 
استدعاء الذاكرة هنا لما تعلمناه من ربنا وخالقنا جلا وعلا، وما أرشدنا إليه معلمنا وسيدنا صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد درس في حلقة وعظ يجتمع فيها الناس، وإنما هو وعد بلقاء مع من أحببناهم وأحبونا، يهون علينا مشقات طريق سلكه شيخنا صوب ربه، وبدأناه نحن ونرجو من الله السلامة فيه، كما يجنبنا أشواك شوق قد يجور بالنفس عن قصد السبيل.  
ولقد كان الراحل الجليل واحدا ممن ارتبط بهم الوجدان وملأوا دفتر حياتنا حبا وتقديرا وعطاءً بغير حدود، لذلك يكون وقع الفقد كبيرا في حجمه وواسعا في مساحاته،......  لكن عزاءنا أن القلب المُعَنَّى بالألم مليء  بالرضا أيضا، وقادر بحجم الإيمان فيه على امتصاص مصيبة الموت وما يصحبها من صدمات مزلزلة،  وأحسب أن قلوبكم الغضة صابرة ومحتسبة ورجاعة إلى الحق وراضية بكل مقدور ومقضي، فنحن وما نملك  - من الله، ونحن له، ونحن إليه راجعون ، كما أن الموت ليس هو النهاية الحتمية لقصة الإنسان ، وما أ بشعها من مأساة تدعو إلى القنوط وتقتل في الأحياء منا إرادة الحياة إذا كان الموت هو النهاية ، وانتهي الأمر ، يقيننا أن بعد الموت حياة ،  وهذا القدر يزودنا بطاقة  من الصبر، تبعد عن قلوبنا وصدورنا جزع التمرد على قضاء ربنا ، وتقينا شرور الانفصال عن الأمل المنشود بلقاء من نحبهم ،  وما قصة الموت إلا جسر يربط بين حياتين نلتقى فيها بمن أحببناهم وأحبونا، وفقدناهم ووحشونا، وكنا من قبل فيهم مشفقين ، وإليهم محتاجين ، فمن الله علينا وجمعنا بهم في مستقر أعلى وأغلى ،وأبقى وأخلد  ووقانا وإياهم عذاب السموم ،
 فاثبتوا- ثبتكم الله- ، ....وليكن يقينكم في المصيبة والمصاب بمستوى ثقتكم بخالقكم ومولاكم ، فله – سبحانه- ما أعطى،  وله ما أخذ ، وكل شيء عنده بمقدار.
خالص العزاء والمواساة نقدمها لأسرة الفقيد العالم، وخالص الدعاء والتوسل إلى الله بالله أن يستقبل أبا الزهراء الوافد عليه بواسع مغفرته وإحسانه ورضاه، وأن يلحق كل المصدقين بوعده وكل الصادقين في عهودهم ووعودهم به ومعه في الفردوس الأعلى.
و" إنا لله وإنا إليه راجعون"  

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • مغرب

    06:02 م
  • فجر

    04:22

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:02

  • عشاء

    19:32

من الى