• الثلاثاء 16 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر01:19 م
بحث متقدم

الغارة على صحيفة المصريون

مقالات

كان السفير المصري في بلد غربي كبير يحكي لصديقه الرمز الديني المصري الكبير أنه كل يوم بعد أن يغسل وجهه ، وقبل أن يتناول فطوره ، يدخل على موقع صحيفة المصريون لكي يستشف أحوال البلد وأخبارها التي لا يجدها في الصحف الرسمية ، وكانت وكالات الأنباء العالمية تنقل عن المصريون انفراداتها ، وكانت الصحافة "الإسرائيلية" تنقل عن المصريون الأخبار المتعلقة بالشأن الفلسطيني مشيرة إلى أن "المصريون" مقربة من المخابرات المصرية ! ، وكانت صحف عربية كبيرة في الخليج تتعاقد معنا لشراء أخبارنا لتدعيم صفحات عندها مخصصة للجالية المصرية باعتبار أن "المصريون" الأوسع انتشارا بين أبناء الجالية المصرية في الخليج قاطبة ، وكانت مؤسسات إعلامية كبيرة مثل البي بي سي تقدم عروضها للتعاون مع موقع "المصريون" في تبادل وضع زوايا خاصة بالأخبار من كل طرف ، وكانت النخبة السياسية المصرية من مختلف ألوان الطيف ، منذ أيام مبارك وحتى اليوم ، تتابع المصريون لترى الوجه الآخر من صورة البلد وأحواله البعيدة عن التزييف أو النفاق أو الولاء لهذه الجماعة أو تلك الجهة .
كانت إمكانياتنا البسيطة ونفقاتنا المتواضعة تساعدنا على تلك الاستقلالية ، وكنت أضرب لبعض الزائرين الكبار مقارنة رمزية تلخص الوضع ، بأن راتب رئيس تحرير صحيفة جديدة من التي صدرت في الأعوام الأخيرة ، راتبه وحده ، أكبر من رواتب جميع العاملين في صحيفة المصريون مجتمعة ، من أول عامل البوفيه إلى رئيس التحرير ، وكان موقع الصحيفة ملهما يوميا لأغلب القنوات الفضائية المصرية ، تستعين بما ينشره لإعداد برامجها ، حتى أن مدينة الانتاج الإعلامي في 6 أكتوبر عاشت سنوات وكأن "المصريون" هي مطبخ التحرير الأساس لقنواتها ، وكان ذلك يضطرنا أحيانا لنشر ذلك لإحراجهم ، خاصة عندما يتجاهلون ذكرنا كحق أدبي .
وحصلت المصريون على العديد من الجوائز ، وآخرها جائزة التفوق من نقابة الصحفيين ، وتلقينا خطابات التهنئة والشكر من الهيئة الوطنية للصحافة ، كما كانت المصريون تتلقى الدعوة من القوات المسلحة لدورات المراسلين الحربيين في معهد إعداد القادة ، باعتبارها من الصحف الوطنية المصرية .
تحرشت بنا أكثر من جهة رسمية على مدار السنوات الماضية ، منها الأمين العام لمجلس الوزراء الذي عمم خطابا على الوزارات قبل ثلاث سنوات يحذرهم من التعامل معنا ، فقاضيناه في المحكمة الإدارية وتقدمنا ببلاغ للنائب العام ، ثم ضغطوا على جميع المؤسسات والشركات لقطع إعلاناتها عن الصحيفة فألغى البنك الأهلي وبنك مصر ومصر للطيران وغيرهم عقود إعلاناتهم عندنا لإجبارنا على الإفلاس والتوقف ، ثم حجب مجهولون موقع الصحيفة بدون أي سند قانوني وسألنا كل الجهات الأمنية والإدارية المختصة فنفت صلتها بالحجب ، حتى أننا أثناء مقاضاتنا لصحيفة أخبار اليوم ادعت الصحيفة أننا موقع محجوب رسميا لنشره التطرف والعنف ، فخاطبت المحكمة ـ رسميا ـ وزارة الداخلية ، فأجابت الداخلية ـ بخطاب رسمي ـ أننا لسنا محجوبين ، رغم أن القاصي والداني يعرف أننا محجوبون ، وتحرش بنا إعلاميون موالون للسلطة وسبونا وشهروا بنا ، فقاضيناهم وأنصفنا القضاء وحكم بإدانة محمد الباز وأحمد موسى وياسر رزق وآخرين وأثبت أنهم تجاوزوا في حق سمعتنا وكرامتنا المهنية بما يستوجب الإدانة والتغريم ، وأثبت القضاء أننا صحيفة وطنية وجبهتنا بيضاء ناصعة .
فجأة ، لما ضاقت صدور بعضهم بنا أكثر ، وحاروا في أمرنا ، وجدنا أننا محشورون ضمن قائمة متهمة بالإرهاب أو الانضمام لجماعة الإخوان أو أننا من مساندي أو معاوني الجماعة ، وصدر قرار من لجنة التحفظ بمصادرة أموال شركة "المصريون" الناشرة لصحيفة المصريون على هذا الأساس ، والطريف أن أول من أعلن ابتهاجه بهذا القرار هم كوادر جماعة الإخوان الذين كانوا لا يتوقفون عن اتهامنا بأننا من داعمي نظام السيسي أو أننا عملاء لأجهزة الأمن أو أننا "انقلابيون" ، إلى آخر تلك الاتهامات والشتائم التي لم تتوقف من خمس سنوات .
كان لنا موقفنا الناقد والمعارض لجماعة الإخوان ودورها وأفكارها وسلوكها السياسي ، منذ أيام مبارك ، وكتبنا في ذلك الكثير من المقالات النقدية ، وعندما انتهت الانتخابات الرئاسية بعد ثورة يناير رحبنا كثيرا بفوز الدكتور محمد مرسي عندما أعلن استقالته من الجماعة وأنه رئيس لكل المصريين ، غير أنه بعد أشهر قليلة من التجربة وجدنا أن مرسي وأصحابه لا يعملون لصالح البلد أو حتى الثورة ، وإنما لصالح جماعة وحساباتها ، وأن هذا التوجه خطير جدا على مصر وعلى ثورتها وعلى مستقبلها ، فخضنا موجة نقد سياسي شديدة ضد الرئيس الجديد وضد الجماعة وأنصارها ، وتلقينا الشتائم والتهديدات وقتها فلم نبال ، كنا نعارض مرسي وقت أن كان السيسي يقدم له التحية العسكرية .
وبعد أحداث 30 يونيه ، والإعلان عن مرحلة جديدة بعزل مرسي في 3 يوليو ، وأصبح الوطن أمام أمر واقع جديد ، وكان في صورة الحدث رموز دينية وسياسية وقضائية رفيعة ، مثل شيخ الأزهر والبابا والدكتور البرادعي ورئيس مجلس القضاء الأعلى ، والتزامات في البيان بعدم الإقصاء لأي طرف وعقد انتخابات رئاسية وبرلمانية شفافة جديدة ، تفاءلنا خيرا ، وقلنا أن المجلس العسكري الجديد سيكرر ما فعله المجلس العسكري السابق في 2012 ، لكن الأمور ارتبكت بعد ذلك وبدأ التضييق على الأحزاب والمجتمع المدني والإعلامي بشكل تدريجي وتصاعد الأداء الأمني بشكل كبير ، فكان لنا موقف معارض لهذه التوجهات ، في نفس الوقت الذي كنا نعارض فيه أيضا الإخوان وأنصارها ، ونرى ـ وما زلنا ـ أنهم لا يمثلون البديل الأفضل ولا المناسب لمصر نهائيا في مستقبلها القريب ولا البعيد .
ثم وقعت المصادمات العنيفة بين صحيفة المصريون والإخوان خاصة في العامين الأخيرين ، وكانت هناك معارك فكرية طاحنة على صفحات الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التليفزيون ، بيننا وبينهم ، والجميع يعلمها ، ومن أصدر قرار التحفظ يعلمها ، ويعرف أن اتهامنا بأننا إخوان أو من مساندي الإخوان هي نكتة أو مشهد كوميدي ، هو يعرف أنها نكتة ، ولكنه لما لم يجد ما يؤذينا به أو أي مسوغ قانوني أو منطقي لتأديبنا وإسكاتنا عن ممارسة دورنا الوطني في المعارضة المستقلة ، قرر أن يلصق بنا التهمة السهلة والرخيصة والكاذبة ، وعلى المتضرر الشكوى للقضاء ، بل إنه أغلق عليك حتى باب التقاضي ، ومنعك من اللجوء إلى ركني العدالة : المحكمة الإدارية أو محكمة النقض .
ما يحدث في مصر الآن مخيف جدا ، على مصير البلد ومصالحه وأمنه القومي ، فالاستخفاف بالقوانين والحقوق والمصالح مدمر للثقة في الدولة ومخيف لأي مستثمر أو حتى سائح ، بل مخيف للمواطن العادي الذي أصبح ظهره للعراء بدون أي حماية حتى من القضاء الذي غلوا يده عن حمايته ، وعلى الجميع أن يبحث عن البلاطة وليس البنك ، وعن الذهب وليس الاستثمار وعن بنوك الخارج وليس البنوك الوطنية وعن الاستثمار في بلاد الله الأخرى وليس الاستثمار في بلد يمكن أن يسطو على أموالك في ساعة واحدة ، وفجأة وبدون أي مقدمات ولا منطق ولا أساس ، هذه أفكار مدمرة للوطن ، وطريق ملكي للتخريب .
أما نحن فلا نخشى إلا الله ، لا نأبه باتهامات الإخوان وشتائمهم وتهديداتهم لنا ولا نفزع من تخويف النظام المتتالي لأصواتنا وأقلامنا من أجل أن نسكت ، ولو كنا نخاف لما سرنا في هذا الطريق قبل عشرين عاما ، وعارضنا خلاله مبارك ثم المجلس العسكري ثم مرسي ثم السيسي ، أو كنا بعنا أقلامنا وضمائرنا ، لنطفو على السطح وننال حظنا من "الكعكة" ، ولكنا لم نبع ، ولن نبيع ، وسنظل ننتقد كل ما نراه خطأ وخطرا على الوطن ومصالحه ، سواء كان من الإخوان أو النظام الحالي أو الذي يليه ، إن كان لنا عمر ، وسنظل محافظين على وسطيتنا واعتدالنا ، ولغتنا السياسية النقدية البناءة والهادئة والبعيدة عن الإسفاف والابتذال ، قبلتنا مصلحة الوطن ، وغايتنا رضا الله تعالى ، وهو سندنا ، فهو خير حافظا .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • عصر

    03:00 م
  • فجر

    04:40

  • شروق

    06:03

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    15:00

  • مغرب

    17:27

  • عشاء

    18:57

من الى